مركز الثقافة والمعارف القرآنية
540
علوم القرآن عند المفسرين
حالية ، ففي هذا دلالة على كروية الأرض ، وان إيلاج الليل في النهار - مثلا - عندنا يلازم ايلاج النهار في الليل عند قوم آخرين . ولو لم تكن مهمة الامام عليه السّلام الإشارة إلى هذه النكتة العظيمة لم تكن لهذه الجملة الأخيرة فائدة ، ولكانت تكرارا معنويا للجملة الأولى . ولقد اقتصرنا في بيان اعجاز القرآن على هذه النواحي ، وفي ذلك كفاية ودلالة على أن القرآن وحي إلهي ، وخارج عن طوق البشر . وكفى بالقرآن دليلا على كونه وحيا إلهيا أنه المدرسة الوحيدة التي تخرج منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ع - الذي يفتخر بفهم كلماته كل عالم نحرير ، وينهل من بحار علمه كل محقق متبحر . وهذه خطبه في كل نهج البلاغة ، فإنه حينما يوجه كلامه فيها إلى موضوع لا يدع فيه مقالا لقائل ، حتى ليخال من لا معرفة له بسيرته أنه قد قضى عمره في تحقيق ذلك الموضوع والبحث عنه ، فمما لا شك فيه أن هذه المعارف والعلوم متصلة بالوحي ، ومقتبسة من أنواره ، لأن من يعرف تاريخ جزيرة العرب - ولا سيما الحجاز - لا يخطر بباله أن تكون هذه العلوم قد أخذت عن غير منبع الوحي . ولنعم ما قيل في وصف نهج البلاغة : « أنه دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين » . بل أعود فأقول : إن تصديق علي عليه السّلام - وهو على ما عليه من البراعة في البلاغة ، والمعارف وسائر العلوم - لإعجاز القرآن هو بنفسه دليل على أن القرآن وحي إلهي ، فان تصديقه بذلك لا يجوز أن يكون ناشئا عن الجهل والاغترار ، كيف وهو رب الفصاحة والبلاغة ، واليه تنتهي جميع العلوم الإسلامية ، وهو المثل الأعلى في المعارف ، وقد اعترف بنبوغه وفضله المؤالف والمخالف . وكذلك لا يجوز أن يكون تصديقه هذا تصديقا صوريا ناشئا عن طلب منفعة دنيوية من جاه أو مال ، كيف وهو منار الزهد والتقوى ، وقد أعرض عن الدنيا وزخارفها ، ورفض زعامة المسلمين حين اشترط عليه أن يسير بسيرة الشيخين ، وهو الذي لم يصانع معاوية بابقائه على ولايته أياما قليلة ، مع علمه بعاقبة الأمر إذا عزله عن الولاية . وإذن فلا بد من أن يكون تصديقه باعجاز القرآن تصديقا حقيقا ، مطابقا للواقع ، ناشئا عن الإيمان الصادق . وهذا هو الصحيح ، والواقع المطلوب .